أنظر مرة أخرى يمكنك أن ترى- نينا روز ترسم ألغازاً مستلهمة من الطبيعة

المقاله تحت باب  فنون عالمية
في 
29/09/2009 06:00 AM
GMT



 
 أحيانا يكتسب بعض الفنانين قيمتهم من انتمائهم الى بلد لا يعرف المهتمون عن فنونه الكثير. في هذه الحال تكون اثارة الفضول في حد ذاتها نوعا من القيمة، لكنها قيمة سرعان ما تزول إذا لم تكن الأعمال الفنية ذات قيمة جمالية خالصة. التعرف شيء والمعرفة شيء آخر. الفنلندية نينا روز المولودة في بورغو عام 1956 هي من النوع الذي يجد المرء أنه قد تأخر في رؤية أعماله. رسامة تشبه بلدها من حيث بعده وغموضه، غير أنها في الوقت نفسه تكشف عن انغماسها في الفن الحديث من حيث قدرتها على فهم تحولاته والافادة منها.
 
 لذلك استحقت عام 2004 جائزة كرانشي للفنون، بعدما كانت مساهمتها في بيينال فينيسيا عام 1995 قد لفتت إليها أنظار نقاد الفن في العالم. ظلت نينا روز شمالية في عروضها، فهي لم تقم معارض كبيرة لأعمالها إلا في عاصمة بلدها هلسنكي، وفي مالمو، كبرى مدن الجنوب الأسوجي، حيث تدرس الفن هناك. الان جاء دور ستوكهولم ليحتفي متحفها للفن الحديث بهذه الفنانة المهمة، التي يمكن اعتبار تجربتها نموذجا مثاليا لما يمكن أن يكون عليه الفن في الشمال الاوروبي.

1

تبحث عن صيغة مقابلة للشكل الذي تراه في اللوحة، فلا تجدها. في محاولة منك للفهم، تغمض عينيك لتتذكر. حينذاك تنتبه إلى أنك جئت الى هذا المكان لترى لا لتتذكر. متعة النظر إلى رسوم نينا روز تهب الوقت الذي يمضيه المرء واقفا أمامها معنى القطيعة مع العالم الخارجي. هي ذي رسوم مستلهمة من الواقع المرئي، غير أنها لا تفصح علانيةً عما تصوّره. اليد التي رسمت، محت الكثير لتصل إلى ضالتها. هناك شيء ما مفقود. ولكن هل ذلك الشيء المفقود هو ما نبحث عنه في الرسم؟ تدخلنا نينا روز مباشرة إلى قلب الحكاية، لذلك يشعر المرء بالحيرة: يشهد اشتباكاً، وما من مقدمات. يسمع كلاما من غير أن يسبقه تمهيد يشرحه.

 واقعية ما يُرى في رسوم هذه الرسامة، تخدع من لا يعرفها. يمكننا أن نكون واقعيين إذاً من غير أن نحاكي الواقع في بطئه التصويري وفي كثافته. لا تجد نينا روز في الرسم إلا إمكان العبور مباشرة وبخفة إلى جدوى الصورة، جدوى أن يتحول الواقع إلى صورة. هي رسامة حكايات، لاقطة وقائع، غير أنها لا تهتم كثيرا بتفاصيل السرد الحكائي. تصل إلى الإيقاع فتصنع منه حكايتها التي لا تشبه أيّ حكاية أخرى. لن تقول: هذا ما رأيته، بل وأيضا هذا ما سمعته، وما لمسته في تلك اللحظة من لحظات التماهي مع الواقعة. الرسامة هنا تستجيب نوعاً تأملياً لا يعرفه سوى سكان الشمال. خفقة الطائر هنا، تترك في الفضاء موسيقاها بعد غياب الطائر عن النظر. يمكننا إذاً أن نرى الطائر من غير أن يكون موجودا. ليست لعبة وهم. إنها واحدة من حقائق الواقع. نينا روز رسامة مطيعة لواقعها الذي لا يكف عن التخيل. تستلهم وتلهم. تمعن في الانصات لتستخرج فتنة ما رأته من اعماق ذاتها. كالالغاز هذه الرسوم، بل هي ألغاز لمن ليست له دراية بمنشئها.

2

يمر الكائن البشري بالرسامة كما لو أنه يخترق مرآة. تمر الرسامة بالكائن البشري كما لو أنها واحدة من لحظات ذلك الكائن الساهم عن وجوده. هذا ما يحدث حقا في الواقع. بعد الذي رأيته من رسوم نينا روز، يمكنني أن أفهم ما يجري لي في هذا التيه الذي يحيط بي من الجهات كلها، وأن أمسك بالخيط الذي يصل بي إلى معنى أن أكون وحيدا. الدقة التي تميز تقنية الرسم، هي فعل مستلهم من الحياة المباشرة. تلك الدقة تدعو إلى الصمت وإلى قدر عظيم من الدهشة. أبحث عن خطأ في ورق الجدران في المنزل بعد ذهاب الصباغ، فلا أعثر على خطأ. دقة في النظر تدعو إلى عدم النظر. دقة في الكلام تدعو إلى الصمت.
 
 تكاد هذه الرسامة أن تكون واحدة من أعظم خبيرات الموسيقى بسبب ما تحققه من انسجام بين خطوطها وألوانها وأشكالها، غير أن الصمت سرعان ما يلتهم كل شيء. ذلك لأن الموسيقى المطلقة تقود إلى الصمت. يسيرٌ أن يعيش المرء فكرة مطلقة. حينذاك تتخلى عنه أدوات الوصف. يمكنه أن يجد في كل هذا الصمت الذي ينبثق من أعماق اللوحات، ذريعة لعدم الفهم. أمام العديد من لوحات نينا روز، تذكرت صديقي الرسام السوري يوسف عبدلكي. لو كان عبدلكي شماليا، لربما أصبح اهم رسامي هذا الجزء من القارة الأوروبية على الاطلاق. رسومه لا تشي بالصمت بل تخلقه من مادة عجيبة. مادة تستلهم خيالها من مزاج تغلب عليه الرغبة في التخلي. نينا روز هي كمن تكتب يومياتها، لكن من خلال ما يهمله الآخرون من أشيائهم. تقول: "أرى ولكن ليس النظر ضالتي. أتكلم، ولكني لا أجد في الكلام معنى". يخيل إليَّ أنها يمكن أن تقول تلك الجملة التي تبنعث من أعماقي وأنا أسعى إلى أن أقف ثابتا أمام رسومها.

3

لا يمكنه سوى أن يكون غامضا. الجمال لا يمكن الاستيلاء عليه. ما لا يمكن تقديره منه، هو ما يبقى. في رسوم نينا روز نرى إنسانا، فاكهة، كرسيا، حشرة، حذاء، كيسا، ملعقة واشياء كثيرة نراها، نستعملها، نهملها، ثم لا نتساءل عن مصيرها. الرسامة مثلنا، غير أنها تفعل ما لا نفعله: تخلص روز إلى النسيان. المكان يُكسب الزمان معنى يقبض عليه، فيما الزمان يُكسب المكان معنى يُذيبه. من يصنع الآخر؟ سؤال وجودي تمعن الرسامة في تفاصيله، لا بحثا عن اجابة بل امعانا في التماهي معه. سؤال الكائنات والأشياء كلها وهي تنتقل من حالة إلى أخرى. مكان غادرناه، ينسحب زمانه معه. في المسافة بين مكانين، هناك الكثير من الأزمنة تتبارى في النأي بملامحها. تقيم الرسامة مقارنة بين الشيء وصورته، بين الصورة وما يمكن أن تكون عليها حلميا، بين الصمت وخياله. أنت موجود في الصورة، لكن خيالها يزعم أنك موجود في أعماقه.
 
 يعني ذلك أننا نرعى حيوات ليست هي الحيوات المطلقة. الشماليون لمّا يدخل الإيمان بعد في قلوبهم. سمِّهم ما شئت. غير أنهم لن يكونوا موحدين. صلتهم بالطبيعة تصل إلى أعماق لا يمكن الوصول إليها. عقلانيون بطريقة لافتة، لكن تلك العقلانية تتوقف عند حدود الصلة بالطبيعة. هنا فقط تبدأ الخرافة تأثيرها. العقل الشمالي لا يمكن فصله عن الطبيعة. نينا روز ليست استثناء في ذلك. كل رسومها تكاد أن تكون مرآة لعقل تهبه الخرافة فضاء مضافا. رسوم هي أشبه بالهذيانات المتأنقة. وهي لا يمكن سوى أن تكون كذلك. الشماليون يهذون بدقة مثلما يتكلمون ومثلما يعملون. لا تبتعد نينا روز عن التقاليد الشمالية. ابنة كل يوم تقول كل شيء كما هو. أو كما رأته ممتزجا بالخرافة. هذا الوفاء مستلهم من التجربة نفسها. تجربة العيش عند حدود حياة لا تبشر بماضيها. كما لو أن الصورة تقول: ما يحدث، يُمكنه أن يكون صورة عما لم يحدث قطّ، لكن لا يمكن الجزم بذلك. جملة يمكن أن تسمعها في كل مكان هنا. حين زار المفكر الفرنسي ميشال فوكو ستوكهولم، كتب عن الجنون ولم يكتب عن العقل. يمكن هذه الرسامة أن تقدم دليلا مختلفا عن امتزاج العقل بالجنون. يعيش الشماليون واقع ما يرونه بطريقة مختلفة.
 
 طريقة لا تقيم فاصلا عدائيا بين ما يرى علانية وما يمكن رؤيته خفية. الأشياء التي ترسمها هي عينها في الواقع لكنها في الرسم لا تقوم بوظائفها الواقعية. رسامة كل يوم، هي ذاتها رسامة المطلق الذي لا تلحق به الحواس المباشرة. حين يتأكد المرء أن ما رآه لم يكن سوى جزء مما يمكن رؤيته يتخلى عن ذلك الجزء ليمعن النظر في الرسوم مجددا. رسوم نينا روز تشحننا بضعف ما نملك من قوة النظر